القرطبي
288
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأنباري . وقال قوم : ( الحكيم ) المانع من الفساد ، ومنه سميت حكمة اللجام ، لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد . قال جرير : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا أي امنعوهم من الفساد . وقال زهير : القائد الخيل منكوبا دوابرها ( 1 ) * قد أحكمت حكمات القد والابقا القد : الجلد . والأبق : القنب ( 2 ) . والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا ، يريدون منعه . والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل ، وأن يلحق بها ما يخرج عنها ، ويزاد عليها ما ليس منها ، والحكمة من هذا ، لأنها تمنع صاحبها من الجهل . ويقال : أحكم الشئ إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد . فهو محكم وحكيم على التكثير . قوله تعالى : قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( 33 ) قوله تعالى : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : " أنبئهم بأسمائهم " أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه ، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه . فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له ، مختصا بالعلم . الثانية - في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله ، وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك ( 3 ) لأهل العلم خاصة
--> ( 1 ) النكب : أن ينكب الحجر ظفرا أو حافرا . والدوابر . أواخر الحوافر . يقول : يقود الخيل في الغزو ويبعد بها حتى تنكب دوابرها ، أي تأكلها الأرض وتؤثر فيها . ( 2 ) القنب ( بكسر القاف وضمها ) : ضرب من الكتان . ( 3 ) في نسخة من الأصل : ( لأجل ) .